هذه قراءة تأملية في مجموعة قصصية تكتب الوجع الإنساني بلغة الجمال.
تأتي مجموعة لا راية بيضاء في الخرطوم للقاص السوداني محمد أحمد إسحق — الفائزة بالمركز الثاني في مسابقة الأدباء الشباب، الدورة السادسة 2025، اتحاد الأدباء والكتاب في العراق — كعمل سردي مكثّف يلتقط لحظة تاريخية حرجة، ويعيد صياغتها بمنظور إنساني لا يكتفي بوصف الحرب، بل يعرّي آثارها على الروح والذاكرة الفردية والجمعية.
تقع المجموعة في نحو سبعين صفحة، وتضم 12 قصة قصيرة موزعة على قسمين متقابلين:
– قصص الحرب
– قصص ما قبل الحرب
في ثنائيةٍ فنية توازن بين الخراب والحياة، وبين الهوية الجريحة والحبّ الممكن.
أولًا: الحرب… بوصفها كابوسًا واقعيًا
في الجزء الأول، يجسّد الكاتب الحرب السودانية من الداخل، من المكان الذي يتفتّت فيه الإنسان أولًا. فمثلا:
– أحلام الحرب الإفلاطونية:
تقدّم القصة تصورًا فلسفيًا عن الحقيقة والحياة؛ أحلام متداخلة تنتهي باستفهام وجودي حول ما إذا كانت حياتنا حقيقة أم ظلًّا لحقيقة غائبة، في إحالة ذكية إلى مفهوم العالَم الصوري الأفلاطوني.
– عائلة حديدية:
هنا يُلامس النص منطقة مهمّشة: جامعو الخردة وضحايا بقايا الحرب.
يتجسّد ذلك في شخصية رمضان حديد الذي فقد عائلته بانفجار مخلفات حربية اعتُقد أنها خردة.
يتحوّل الاشتغال على الحديد إلى استعارةٍ عن الإنسان الذي تستعبده الحرب حتى في تفاصيل رزقه.
ثم تأتي الخاتمة بصفتها عدالة شعرية قاسية:
وفاة رمضان بجذب مغناطيسي داخل كومة من الحديد؛
ونومه الأبدي تحت ما قضى حياته في جمعه وسرقته.
إنها إدانة مُبطّنة للحرب، وللفساد الأخلاقي الذي يرافقها.
– تحديق:
نقد لاذع للشائعات وتجار الحرب الذين يطيلون أمد الخراب ليحافظوا على مكاسبهم. وتفاهة الحرص الشخصي الذي يمكنه القضاء على بلد بحاله.
– متلازمة عصيدة:
هذا النص، تشريح نفسي للمجتمع بعد الحرب؛ كيف تظلّ الصدمة سارية في الروح حتى حين تُرفع البنادق.
وبقية القصص لا تقل أهمية عن هذه النماذج
ثانيًا: ما قبل الحرب… الحبّ ضد الهوية الضيّقة
ينتقل الكاتب في القسم الثاني إلى موضوعات عديدة وإلى جذور الانقسام:
القبيلة، الهوية، شرط الانتماء في الحب والزواج.
فالحرب — في هذا التصور — نتيجةٌ لمرض قديم في بنية المجتمع.
تبلغ الرؤية ذروتها في القصة الأخيرة التي تمزج بين الواقع والأسطورة:
ارتباط حزام حقيبة شاب سوداني بحزام فستان فتاة تركية في مترو أنقرة، في حادثة صغيرة تكبر لتُصبح حبًا ثم زواجًا، ثم أسطورة عن التمازج الإنساني.
إنها كتابة تدافع عن حقّ الإنسان في أن يختار مصيره خارج الإكراهات العِرقية.
يظل سؤال الهوية هو فتيل الأزمات ووقود الحروب، لن ينتهى مفعوله إلا إذا جاوبنا على السؤال بكل صدق وقررنا تقبل ذاتنا دون أي محاولة لأثباتها لغيرنا.
لغةٌ تتقد بالجمال
يتبدّى في نصوص إسحق:
– زهو و طرب لغوي دون تفريط أو إفراط في الشعرية
– قدرة على صوغ مشهد بصري مكثّف
– توازن بين الرمز والواقعية
– مهارة في بناء النهايات الصادمة
إنها لغةٌ تعيد الإنسان إلى مركز السرد، وتمنح الضحية صوتًا وذاكرة.
تحت الإهداء… قلبٌ يبكي
الإهداء الذي يجعل القارئ يقف طويلًا:
إلى سلْمى النور… إلى ذكراها الحيّة… هناك في أبدية المطمئنين.
إشارة إلى زوجته الراحلة… وكأن الكاتب يكتب هذه القصص لينجو من الألم بالكتابة.
إنه أدب وُلد من الخسارة والفقد… لكنه يمنح القارئ أملاً بأن الجمال ما زال ممكنًا.
وأخيراً
لا راية بيضاء في الخرطوم» ليست مجرد قصص عن الحرب،
بل عن كل حرب تُشنّ على الحبّ والهوية والإنسان وهنا الوطن السودان.
إنها مجموعة تستحق القراءة والتأمل والنقاش،
وتُعدّ إضافة لافتة إلى سرديات الحرب السودانية المعاصرة.
وفي زمنٍ تحاول فيه الحرب أن تصنع عتمتها…
يأتي هذا الكتاب ليقول:
ما زال في الخرطوم من يكتب الحياة