منافيستو البنقو – قصة قصيرة

 

تحبل الأرض،  رويدًا رويدًا تتشقق عنا، تفتح  لنا ثقوبًا صغيرة، يدخل الضوء من خلالها،  يزداد حجمنا فتزيد مساحة ثقوبها، و عندما نجد الفرصة المواتية، نطل برؤوسنا خارجها، تاركين جذورنا متصلة بها. نحن نباتات رقيقة، خرجنا الآن من باطن الأرض،  تعبث بنا الرياح الشمالية الخفيفة، ننحني لها لِتمر.  أوراقنا الصغيرة، يزداد حجمها،  تظهر فروع في أطرافنا، و هكذا تتدريجيًا، نتحوّل إلى أشجار كبيرة تنتظر الحصاد.

 نُولد في صمت، لا يُحتفى بنا، لا تُضرب الطبول لمقدمنا، أو تزغرد النساء فرحًا لميلادنا . مجيؤنا إلى هذه الديار لم يكن سهلًا، بل كان محاطًا بالصعوبات، إنها قصة طويلة، و حكاية أخرى. لقد قطعنا مئات الكيلومترات. وضعنا صاحبنا في جوال بلاستيكي كبير، ربط الجوال جيدًا، قام بإخفائنا وسط جولات فحم في شاحنة كبيرة، حتى لا يتلقف أحد خبر وجودنا. سارت بنا الشاحنة ثلاثة أيام، شعرنا بالضيق، تمنينا الخروج من ذلك المكان، كان لسان حالنا يقول بأن ” ليس هناك أسوأ من أن تُحشر وسط جوالات فحم، في رحلة إلى المجهول” . سارت بنا الشاحنة  تقطع الفلوات، مساحات شاسعة غير مزروعة تسكنها الوحوش، أرض واسعة تنام فيها الحشائش، عصافير ملونة تُحلِّق في خلاء الله الواسع، حُمر ضالة تتجول بتكاسل واضح، قرى صغيرة بائسة و مبعثرة، تبدو من فرط صمتها كأنها خالية أو يسكنها الجن، مساحات مهولة، تدفعك للتأمل المفضي إلى الجنون، إنه الخلاء العظيم ذاته، هدوء تام في هذه الفلوات، لا صوت يعلو على أنين محرك الشاحنة، عجلات الشاحنة  تدوس على الأسفلت دون رحمة. مررنا ببعض المدن ذات الكثافة السكانية، عبرنا عددًا من نقاط التفتيش العسكرية، و كدنا أن يُقبض علينا، و نُحرق مثل أي شيء غير مرغوب فيه، لكن تدارك صاحبنا الموقف، دفع رشوة لكبار الضباط، فنجونا.

 بعد وصولنا إلى هذه البلدة، تم بيعنا، أتى بنا المشتري إلى هذه الغرفة، خبّأنا في صندوق خشبي صغير، فنحن نبات غير مرغوب فيه،  لا بد أن نُخبّأ. و  من ذلك اليوم بدأنا القيام بدورنا الطبيعي، مساعدة البشر، أولئك الطيبين الذين أدمنوا تعاطينا، نصغي إليهم باهتمام و تركيز كبيرين، يحكون لنا خيباتهم الدائمة، و مآسيهم الكبرى، نرسم لهم جنة وردية من الدخان، نأخذهم إليها، عالمًا آخر أكثر سلمًا و محبة، نذهب بهم بعيدًا عن هذه الغابة الواقعية المخيفة. نحن نباتات مسالمة، نُخدِّر العقول التي تحمل طواحين في داخلها، نمنعها من التآكل و الصدى،  ما أكثر من يدخنوننا، فنحترق لِنُضيء لهم طريق الجنان، نصغي إلى شكواهم صروف الليالي، نربِّت على أكتافهم، و نأخذ بأيديهم إلى حيث المحبة و السلام.

 دخل صاحبنا  الغرفة، و برفقته آخر، يبدو أنه زبون، فتح الصندوق، أخذ جزءًا منا، ناوله إيّاهـ، استلمه الزبون، دفع مبلغًا من المال، جلس على السرير بتكاسل، كأنه يرمى ثقل جسده و همومه عليه، اعتدل في جلسته، أدخل يده في جيبه، استخرج ورقة من نوع خاص، و بكل هدوء، بدأ يفتّتنا على سطحها المستطيل،  قام بتغليفنا داخلها بصورة محكمة، استخدم لعابه لتثبيت جانبيها، أحاطت الورقة بنا إحاطة الكفن بالميت. استخرج علبة كبريت من جيبه، فتح العلبة، وجد بداخلها عود ثقاب واحد، أدرك أن لديه محاولة واحدة، مرّر رأس عود الثقاب بأحد جانبي علبة الكبريت، لم تشتعل النار،  كانت نتيجة ذلك الاحتكاك،  تآكل بعض من بارود عود الثقاب، قرر أن يحاول مرة أخرى بحذر، في هذه المرة، نجحت محاولته. أشعل النار في رأسنا، أدخل زيلنا في فمه، بدأ يمتص الدخان، و يدفعه مرة أخرى، فيرسم الدخان جنة دخانية في سماء الغرفة، يدخل الدخان صدرهـ، و يخرج آخذًا معه جزءًا من الهموم. بعد أن دخننا لفترة قصيرة، جفّ فمه، بدأنا نستحوذ على رئتيه، و عن طريق الدم، قمنا بالسفر إلى عقله،  الآن يشعر بالاسترخاء و النعاس. استرخِ أيها الرجل الطيب، انس هذا العالم الفوضوي، الغابة التي يتطاحن فيها البشر، البقاء للأقوى، و لا عزاء للضعفاء، ثبِّت بصرك في خطوط الدخان، المنبعث إلى أعلى، تأمل فيه، استرخِ تمامًا، انظر، ثمّة جنة هناك، عالم آخر، هل ترى ذلك البحر ؟ في ضفته  تلال جبلية، كستها أشجار الشاي ثوبًا أخضر،  بدت الشمس تدريجيًا تتوارى خلفها، مثل فتاة خجولة، ثمّة سيدات جميلات، يعزفن الكمنجات و يغنين، هيا معنا إلى ذلك العالم، تبدو منهك الجسد، و معذّب الروح، اسحب نفسًا آخر  و فكر مليًا، الآن قل لي، هل راق لك هذا العالم الجديد ؟

مازال الزبون مستلقيًا على ذلك السرير المتهالك، في الغرفة الضيقة رديئة التهوية، مثبتًا بصره في خطوط الدخان، شارد الذهن، لم يبق هنا إلا الجسد المنهك، أما الروح، فقد سافرت إلى تلك الجنة الدخانية، و التلال المكسوة بالأشجار، صوت كمنجى هادئ،  يهدهد روحه التي تاقت للذهاب إلى هناك، انفصل عن هذا العالم تمامًا. لم يكن مدركًا اللحظة التي تصلّب فيها جسده بالكامل، تحوّل إلى جسد من الفخّار، بدأ يتهشم الجسد الفخاري المحترق، في البداية، تهشّم الرأس، و بسرعة تلاه باقي الجسد، كأن هناك نار مشتعلة في الداخل، ذاب الزبون الطيب، مثل كومة من القطن اشتعلت في وسطها نار، تحول إلى دخان، ارتفع الدخان، انتشر في زوايا  الغرفة، و قال بصوت واضح : (أنا قادم إليك أيتها الجنة، و لتكن أبوابكِ مشرعة ) .

فكرتين عن“منافيستو البنقو – قصة قصيرة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *